ابن رشد
67
مجموعة الرسائل ( تسع رسائل )
( 152 ) قال : ولو كان إنما ينتفع بالدواء المسهل من جهة الاستفراغ لكان إذا سقينا من به يرقان ، فإن ما يسهل البلغم انتفع بذلك كما ينتفع إذا سقيناه ما يخرج الصفراء . وكذلك كان ينتفع من به الاستسقاء اللحمى الذي هو من البلغم إذا سقينا صاحبه ما يخرج الصفراء . وهذا كله خلاف ما يحس ، لأنا إن سقينا من به الاستسقاء اللحمى ما يخرج الصفراء هلك ، وكذلك إن سقينا ما به يرقان ما يخرج البلغم هلك . ( 153 ) قال : وكما أن الاغتذاء إنما يكون بالقوة الجاذبة التي في الأعضاء للغذا ، كما يجذب المغنيطس الحديد ، كذلك الإسهال إنما يكون عن جذب الدواء الخلط المخصوص به ، وبهذه القوة يلتئم أمر الإسهال وأمر الاستفراغ . لكن متى أفرط فعل الدواء جذب من الأعضاء الرطوبات المشاكلة لها ، فيتزيد ذلك الجذب ، ويضعف البدن يجذب سائر الأخلاط والرطوبات ، حتى يفسد البدن . ( 154 ) قلت : قد كان القياس يوجب أن يكون الاغتذاء من فعل الطبيعة ، وكان اغتذاء بالقوة الجاذبة أن يكون الإسهال بالقوة الدافعة ، وجالينوس يعترف بذلك في الإسهال الذي يكون من تلقاء نفسه . فإن كان الدواء المسهل آلة بها تفعل الطبيعة الإسهال ، فقد يجب أن يكون الدواء يفيد البدن حالة بها يتهيأ الخلط ، لدفع الطبيعة إياه ، ويفيد القوة الدافعة حالة بها تقوى على الدفع . وهذه الحال إن كان الإسهال إنما يكون بذوبان ما هو جامد من الأخلاط ، يكون تسهيل الأخلاط وترقيقها ، وتميزها مما هي مختلطة به . فتبطل القوة الماسكة التي في الأخلاط ، وإذا ضعفت الماسكة قويت الدافعة . فالدواء على هذا إنما هو محيل لجوهر الخلط ، ومخرج له من البدن بإذابته وتسييله . ولذلك إذا أفرط